فصل: سنة ثمان ومائتين وألف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (نسخة منقحة)



.سنة ثمان ومائتين وألف:

فيها أوفى النيل أذرعه في سادس عشر المحرم الموافق لثامن عشر مسرى القبطي وأول برج السنبلة، وفيها انحلت الأسعار وبورك في رمي الغلال حتى أن الفدان الواحد زكا بقدر خمسة أفدنة وبلغ النيل الى الزيادة المتوسطة وثبت الى أول بابه وشمل الماء غالب الأرض بسبب التفات الناس لسد المجاري وحفر الترع وإصلاح الجسور.
وفي أوائل شهر صفر، وصل قابجي من الديار الرومية بطلب مال المصلحة والحلوان فأنزلوه في دار وهادوه ورتبوا له مصروفاً.
ومن الحوادث أن الناس انتظروا جاويش الحاج وتشوفوا لحضوره ولم يذهب إليهم في هذه السنة ملاقاة بالوش ولا بالازلم وأرسل ابراهيم بك هجاناً يستخبر عن الحجاج فذهب ورجع ليلة الثالث والعشرين من شهر صفر وأخبر أن العرب تجمعوا على الحج من سائر النواحي عند مغاير شعيب ونهبوا الحجاج وكسروا المحمل وأحرقوه وقتلوا غالب الحجاج والمغاربة معهم، وأخذوا أحمالهم ودوابهم ونهبوا أثقالهم، وانجرح أمير الحج وأصابه ثلاث رصاصات وغاب خبره ثلاثة أيام ثم أحضره العرب وهو عريان في أسوأ حال وأخذوا النساء بأجمالهن والذي تبقى منهم أدخلوه الى قلعة العقبة وتركهم الهجان بها من غير ماء ولا زاد، فنزل بالناس من الغم والحزن تلك الليلة ما لا مزيد عليه، ثم إنهم عينوا محمد بك الألفي وعثمان بك الأشقر ليسافرا بسبب ذلك فخرجا في يوم الخميس سابع عشرين صفر وخطف أتباعهم في ذلك اليوم ما صادفوه من الجمال والبغال والحمير وقرب السقائين التي تنقل الماء من الخليج ونهبوا الخبز من الطوابين والمخابز والكعك والعيش من الباعة، وفي يوم خروجهم وصل جماعة من الحجاج ودخلوا في أسوأ حال من العري والجوع والتعب فلما وصلوا الى نخل تلاقوا مع باقي الحجاج على مثل ذلك ووجدوا أمير الحاج ذهب الى غزة وصحبته جماعة من الحجاج وأرسل يطلب الأمان، ولم يزوروا المدينة في هذه السنة وأرسل من صرة المدينة اثنين وثلاثين ألف ريال مع عرب حرب ضاع في هذه الحادثة من الأموال والمحزوم شيء كثير جداً وأخبروا أن مواسم هذا العام كان من أعظم المواسم لم يتفق مثله من مدة مديدة، وفي يوم الإثنين غرة ربيع الأول، دخل باقي الحجاج على مثل حالة من وصل منهم قبل ذلك وفي صبحها يوم الثلاثاء، عملوا الديوان بالقلعة واجتمع الأمراء والوجاقلية والمشايخ وقرئ المرسوم الذي حضر بصحبة الآغا فكان مضمونه طلب الحلوان والخزينة وقدر ذلك تسعة آلاف وأربعمائة كيس وعشرة آلاف وخمسة وأربعون نصفاً فضة تسلم ليد الآغا المعين من غير تأخير.
وفيه عملوا على زوجات أمير الحاج ثلاثين ألف ريال وأرسلوا الى بيت حسن كاشف المعمار فأخذوا ما فيه من الغلال وغيرها لأنه قتل في معركة العرب مع الحجاج وألبسوا زوجته الخاتم قهراً عنها ليزوجوها لمملوك من مماليك مراد بك وهي بنت علي آغا المعمار ووجدت على زوجها وجداً عظيماً وأرسلت جماعة لإحضار رمته من قبره الذي دفن فيه في صندوق على هيئة تابوت.
وفيه شرع الأمراء في عمل تفريدة على البلاد بسبب الأموال المطلوبة وقرروها عال وهو أربعمائة ريال ووسط ثلثمائة والدون مائة وخمسون وكتبوا أوراقها على الملتزمين ليحصلوها منهم.
وفي يوم الخميس، سافر حسن كتخدا أيوب بك بأمان لعثمان بك ليحضره من غزة ووصل المتسفرون بجثة حسن كاشف المعمار.
وفي عشرين جمادى الأولى وصل عثمان بك طبل الاسماعيلي أمير الحاج الى مصر مكسوف البال ودخل الى بيته.
وفيه حضر الصدر الأعظم يوسف باشا الى الإسكندرية ليتوجه الى الحجاز فاعتنى الأمراء بشأنه وأرسلوا له ملاقاة وتقادم وهدايا وفرشوا له قصر العيني ووصل الى مصر وطلع من المراكب الى قصر العيني وأرسلوا له تقادم وضيافات ثم حضروا للسلام عليه في زحمة وكبكبة، فخلع على ابراهيم بك ومراد بك خلعاً ثمينة وقدم لهما حصانين بسرجين مرختين، ثم نزل الباشا المتولي بعد يومين وسلم عليه ورجع القلعة وأقاموا لخفارته عبد الرحمن بك الابراهيمي جلس بالقصر المواجه لقصر العيني وقد تخيلوا من حضوره وظنوا ظنوناً، وفي يوم الأحد ثالث جمادى الثانية، طلع يوسف باشا الى القلعة باستدعاء من الباشا المتولي فجلس عنده الى بعد الظهر ونزل في موكب حافل الى محله بقصر العيني، وأرسل له ابراهيم بك ومراد بك مع كتخدائهم هدية وهي خمسمائة أردب قمح ومائة أردب أرز وتعبيات أقمشة هندية وغير ذلك، وأقام بالقصر أياماً وقضوا أشغاله وهيؤوا له اللوازم والمراكب بالسويس وركب في أواسط جمادى الثانية وذهب الى السويس ليسافر الى جدة من القلزم وانقضت هذه السنة وحوادثها واستهلت أخرى.

.من مات في هذه السنة من الأعيان:

مات نادرة الدهر وغرة وجه العصر إنسان عين الأقاليم فريد عقد المجد النظيم جامع الفضائل والمحاسن ومظهر اسم الظاهر والباطن من لبس رداء النجابة في صباه ولاح عنوان المكارم على صحائف علاه ولم تقصر عليه أثواب مجده التي ورثها عن أبيه وجده الحسيب النسيب والنجيب الأريب السيد محمد أفندي البكري الصديقي شيخ سجادة البكرية ونقيب السادة الأشراف بمصر المحمية، تقلد بعد والده المنصبين وورث عنه السيادتين فسار فيهما سيرة الملوك ونثر فرائد المكارم من أسلاك السلوك فجوده حدث عن البحر ولا حرج وبراعة منطقه تلتج سلب الألباب والمهج مع حسن منظر، تتزاحم عليه وفود الأبصار وفيض نوال تضطرب لغيرتها منه البحار وقد اجتمع فيه من الكمال ما تضرب به الأمثال وأخبار غنية عن البيان مسطرة في صحف الإمكان زمانه كأنه عروس الفلك فكم قال له الدهر أما الكمال فلك، ولم يزل كذلك الى أن آذنت شمسه بالزوال وغربت بعد ما طلعت من مشرق الإقبال وقطفت زهرة شبابه وقد سقتها دموع أحبابه وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الثامن وخرجوا بجنازته من بيتهم بالأزبكية وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن عند أجداده بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنه وبالجملة، فهو كان مسك الختام قلما تسمح بمثله الأيام، ولما مات تولى سجادة الخلافة البكرية ابن خاله سيدي الشيخ خليل أفندي وتقلد النقابة السيد عمر أفندي الأسيوطي.
ومات علامة العلوم والمعارف وروضة الآداب الوريقة وظلها الوارف جامع المزايا والمناقب شهاب الفضل الثاقب الإمام العلامة الشيخ أحمد ابن موسى بن داود أبو الصلاح العروسي الشافعي الأزهري، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف وقدم الأزهر فسمع على الشيخ أحمد الملوي الصحيح بالمشهد الحسيني وعلى الشيخ عبد الله الشبراوي الصحيح والبيضاوي والجلالين وعلى السيد البليدي البيضاوي في الأشرفية وعلى الشمس الحفني الصيح مع شرحه للقسطلاني ومختصر بن أبي جمرة والشمائل وابن حجر على الأربعين والجامع الصغير، وتفقه على كل من الشبراوي والعزيزي والحفني والشيخ علي قايتباي الاطفيجي والشيخ حسن المدابغي والشيخ سابق والشيخ عيسى البراوي والشيخ عطية الأجهوري وتلقى بقية الفنون عن الشيخ علي الصعيدي لازمه السنين العديدة وكان معيداً لدروسه وسمع عليه الصحيح بجامع مرزه ببولاق، وسمع من الشيخ ابن الطيب الشمائل لما ورد مصر متوجهاً الى الروم وحضر دروس الشيخ يوسف الفني والشيخ ابراهيم الحلبي وابراهيم بن محمد الدلجي ولازم الشيخ الوالد، وأخذ عنه وقرأ عليه في الرياضيات والجبر والمقابلة وكتاب الرقائق للسبط وقوللي زاده على المجيب وكفاية القنوع والهداية وقاضي زادة وغير ذلك وتلقن الذكر والطريقة عن السيد مصطفى البكري ولازمه كثيراً واجتمع بعد ذلك على ولي عصره الشيخ أحمد العربان فأحبه ولازمه واعتنى به الشيخ وزوجه إحدى بناته وبشره بأنه سيسود ويكون شيخ الجامع الأزهر، فظهر ذلك بعد وفاته بمدة لما توفي شيخنا الشيخ أحمد الدمنهوري واختلفوا في تعيين الشيخ فوقعت الإشارة عليه واجتمعوا بمقام الإمام الشافعي رضي الله عنه كما تقدم واختاروه لهذه الخطة العظيمة، فكان كذلك واستمر شيخ الجامع على الإطلاق ورئيسهم بالاتفاق يدرس ويعيد ويملي ويفيد ولم يزل يراعي للحقير حق الصحبة القديمة والمحبة الأكيدة وسمعت من فوائده كثيراً ولازمت دروسه في المغني لابن هشام بتمامه وشرح جمع الجوامع للجلال المحلي والمطول وعصام على السمرقندية وشرح رسالة الوضع وشرح الورقات وغير ذلك، وكان رقيق الطباع مليح الأوضاع لطيفاً مهذباً إذا تحدث نفت الدر وإذا لقيته لقيت من لطفه ما ينعش ويسر، ولم تزل كؤوس فضله على اطلبة مجلوة حتى ورد موارد الموت، ودعاه الله تعالى بجوار الجنان وتلقاه جدثه بروح رحمة ورضوان، وذلك في حادي عشرين شعبان وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل، ودفن بمدفن صهره الشيخ العريان تغمده الله بالرحمة والرضوان، ومن تآليفه شرح على نظم التنوير في إسقاط التدبير للشيخ الملوي وهو نظم وحاشية على الملوي على السمرقندية وغير ذلك وخلف أولاده الأربعة كلهم فضلاء أذكياء نبلاء أحدهم الذي تعين بالتدريس في محله بالأزهر العلامة اللوذعي والفهامة الألمعي شمس الدين السيد محمد وأخوه النبيل الفاضل المتقن شهاب الدين السيد أحمد وأخوه الذكي اللبيب والفهيم النجيب السيد عبد الرحمن والنبيه الصالح والمفرد الناجح السيد مصطفى بارك الله فيهم.
ومات الخواجة المعظم والملاذ المفخم حائز رتب الكمال وجامع مزايا الأفضال سيدي الجامع محمود بن محرم أصل والده من الفيوم واستوطن مصر وتعاطى التجارة وسافر الى الحجاز مراراً واتسعت دنياه، وولد له المترجم فتربى في العز والرفاهية، ولما ترعرع وبلغ رشده وخالط الناس وشارك وباع واشترى وأخذ وأعطى ظهرت فيه نجابة وسعادة، حتى كان إذا مسك التراب صار ذهباً فانجمع والده وسلم له قياد الأمور فاشتهر ذكره ونما أمره وشاع خبره بالديار المصرية والحجازية والشامية والرومية وعرف بالصدق والأمانة والنصح، فأذعنت له الشركاء والوكلاء ووثقوا بقوله ورأيه وأحبه الأمراء المصرية وتداخل فيهم بعقل وحشمة وحسن سير وفطانة ومداراة وتؤدة وسياسة ولطف وأدب وحسن تخلص في الأمور الجسيمة، وعمر داره ووسعها وأتحفها وزخرفها وأنشأ بها قاعة عظيمة وأمامها فسحة مليجة الشكل وحول القاعة بستان بديع المثال وهي مطلة عليه من الجهتين، وزوج ولده سيدي أحمد الموجود الآن وعمل له مهماً عظيماً دعا إليه الأكابر والأعيان والتجار وتفاخر فيه الى الغاية وعمر مسجداً بجوار بيته بالقرب من حبس الرحبة فجاء في غاية الإتقان والحسن والبهجة ووقف عليه بعض جهات، ورتب فيه وظائف وتدريساً، وبالجملة كان إنساناً حسناً وقوراً محتشماً جميل الطباع مليح الأوضاع ظاهر العفاف كامل الأوصاف حج في هذه السنة من القلزم، ورجع في البر مع الحجاج في إمارة عثمان بك الشرقاوي على الحج في أحمال مجملة وهيئة زائدة مكملة فصادفتهم شوبة فقضي عليه فيها ودفن بالخوف ولم يخلف في بابه مثله رحمه الله.
ومات الأمير حسن كاشف المعمار وأصله مملوك محمود بك وأعطاه لعلي آغا المعمار أخذه صغيراً ورباه ودربه في الأمور وزوجه ابنته وعمل لزواجهما مهماً وولائم، ولما مات سيده قام مقامه وفتح بيته ووضع يده على تعلقاته وبلاده، ونما أمره وانتظم في سلك الأمراء المحمدية لكونه في الأصل مملوك محمد بك وخشداشهم، وكان رئيساً عاقلاً ساكن الجأش جميل الصورة واسع العينين أحورهما، ولما حج في هذه السنة وخرجت عليهم العرب ركب وقاتلهم حتى مات شهيداً ودفن بمغاير شعيب ونهب متاعه وأحماله، وحزنت عليه زوجته الست حفيظة ابنة علي آغا حزناً شديداً وأرسلت مع العرب ونقلته الى مصر ودفنته عند أبيها بالقرافة وزوجته المذكورة هي الآن زوجة لسليمان بك المرادي.
ومات الأمير شاهين بك الحسني، وقد تقدم أنه كان حضر الى مصر رهينة وسكن ببيت بالقرب من الموسكي وهو مملوك حسن بك الجداوي أمره أيام حسن باشا وسكن ببيت مصطفى بك الكبير الذي على بركة الفيل المعروف سابقاً بشكر فره وصار من جملة الأمراء المعدودين ولما مات إسمعيل بك وحصل على ما تقدم من قدوم المحمديين وخروجهم، فحضر المترجم صحبة عثمان بك الشرقاوي رهينة عن سيده وأقام بمصر وكان سبب موته أن إنساناً كلمه عن أصول الصبغة التي تنبت بالغيطان ولها ثمر يشبه عنب الديب في عناقيد يصبغ منه القراشون مياه القناديل في المواسم والأفراح وإن من أكل من أصولها شيئاً أسهله إسهالاً مفرطاً ولم يذكر له المسكن لذلك ولعله كان يجهله فأرسل من أتى له بشيء منها من البستان وأكل منه فحصل له إسهال مفرط حتى غاب عن حسه، ومات وتسكين فعلها إذا بلغت غايتها أن يمتص شيئاً من الليمون المالح فإنها تسكن في الحال ويفيق الشخص كأن لم يكن به شيء، ومات الأمير أحمد بك الوالي بقبلي وهو أيضاً مملوك حسن بك الجداوي وقد تقدم ذكره ووقائعه مع أهل الحسينية وغيرهم في أيام زعامته.

.سنة تسع ومائتين وألف:

لم يقع بها شيء من الحوادث الخارجية سوى جور الأمراء وتتابع مظالمهم، واتخذ مراد بك الجيزة سكناً وزاد في عمارته واستولى على غالب بلاد الجيزة بعضها بالثمن القليل وبعضها غصباً وبعضها معاوضة، واتخذ صالح آغا أيضاً له داراً بجانبه وعمرها وسكنها بحريمه ليكون قريباً من مراد بك.
وفي سابع عشرين المحرم الموافق لعشرين شهر مسرى القبطي أوفى النيل أذرعه وكسر السد في صبحها بحضرة الباشا والأمراء وجرى الماء في الخليج.
وفي شهر صفر ورد الخبر بوصول صالح باشا والي مصر الى إسكندرية وأخذ محمد باشا في أهبة السفر ونزل وسافر الى جهة إسكندرية.
وفي عشرين شهر ربيع الأول وصل صالح باشا الى مصر وطلع الى القلعة.
وفي أواخره ورد الخبر بوصول تقليد الصدارة الى محمد باشا عزت المنفصل عن مصر وورد عليه التقليد وهو بإسكندرية، وكان صالح آغا الوكيل ذهب صحبته ليشيعه الى إسكندرية فأنعم إليه بفرمان مرتب على الضربخانة باسم حريمه ألف نصف فضة في كل يوم.
وفي ليلة السبت خامس عشر ربيع الثاني أمطرت السماء مطراً غزيراً قبل الفجر وكان ذلك آخر بابه القبطي.
وفي شهر الحجة وقع به من الحوادث أن الشيخ الشرقاوي له حصة في قرية بشرقية بلبيس حضر إليه أهلها وشكوا من محمد بك الألفي وذكروا أن أتباعه حضروا إليهم وظلموهم وطلبوا منهم ما لا قدرة لهم عليه، واستغاثوا بالشيخ، فاغتاظ وحضر الى الأزهر وجمع المشايخ وقفلوا أبواب الجامع، وذلك بعد ما خاطب مراد بك وابراهيم بك فلم يبديا شيئاً، ففعل ذلك في ثاني يوم وقفلوا الجامع وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت، ثم ركبوا في ثاني يوم واجتمع عليهم خلق كثير من العامة وتبعوهم وذهبوا الى بيت الشيخ السادات وازدحم الناس على بيت الشيخ من جهة الباب والبركة بحيث يراهم ابراهيم بك وقد بلغه اجتماعهم فبعث من قبله أيوب بك الدفتردار، فحضر إليهم وسلم عليهم ووقف بين يديهم وسألهم عن مرادهم، فقالوا له: نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها، فقال: لا يمكن الإجابة الى هذا كله فإننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات، فقيل له: هذا ليس بعذر عند الله ولا عند الناس وما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك والأمير يكون أميراً بالإعطاء لا بالأخذ، فقال: حتى أبلغ، وانصرف ولم يعد لهم بجواب، وانفض المجلس وركب المشايخ الى الجامع الأزهر واجتمع أهل الأطراف من العامة والرعية وباتوا بالمسجد، وأرسل ابراهيم بك الى المشايخ يعضدهم ويقول لهم أنا معكم وهذه الأمور على غير خاطري ومرادي، وأرسل الى مراد بك يخيفه عاقبة ذلك، فبعث مراد بك يقول: أجيبكم الى جميع ما ذكرتموه إلا شيئين ديوان بولاق وطلبكم المنكسر من الجامكية ونبطل ما عدا ذلك من الحوادث والظلم وندفع لكم جامكية سنة تاريخه أثلاثاً، ثم طلب أربعة من المشايخ عينهم بأسمائهم فذهبوا إليه بالجيزة فلاطفهم والتمس منهم السعي في الصلح على ما ذكر، ورجعوا من عنده وباتوا على ذلك تلك الليلة، وفي اليوم الثالث حضر الباشا الى منزل ابراهيم بك واجتمع الأمراء هناك وأرسلوا الى المشايخ، فحضر الشيخ السادات والسيد النقيد والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ الأمير وكان المرسل إليهم رضوان كتخدا ابراهيم بك فذهبوا معه ومنعوا العامة من السعي خلفهم، ودار الكلام بينهم وطال الحديث وانعقد الصلح على أن يدفعوا سبعمائة وخمسين كيساً موزعة وعلى أن يرسلوا غلال الحرمين ويصرفوا غلال الشون وأموال الرزق ويبطلوا رفع الظلم المحدثة والكشوفيات والتفاريد والمكوس ما عدا ديوان بولاق وأن يكفوا أتباعهم عن امتداد أيديهم الى أموال الناس، ويرسلوا صرة الحرمين والعوائد المقررة من قديم الزمان، ويسيروا في الناس سيرة حسنة وكان القاضي حاضراً بالمجلس فكتب حجة عليهم بذلك وفرمن عليها الباشا وختم عليها ابراهيم بك وأرسلها الى مراد بك فختم عليها أيضاً وانجلت الفتنة، ورجع المشايخ وحول كل واحد منهم وأمامه وخلفه جملة عظيمة من العامة وهم ينادون حسب ما رسم ساداتنا العلماء بأن جميع المظالم والحوادث والمكوس بطالة من مملكة الديار المصرية، وفرح الناس وظنوا صحته وفتحت الأسواق وسكن الحال على ذلك نحو شهر ثم عاد كل ما كان مما ذكر وزيادة، ونزل عقيب ذلك مراد بك الى دمياط وضرب عليها الضرائب العظيمة وغير ذلك.
ومات الإمام العلامة والرحلة الفهامة بقية المحققين وعمدة المدققين الشيخ المعمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الوهاب السمنودي المحلي الشافعي من بيت العلم والصلاح والرشد والفلاح وأصلهم من سمنود ولد هو بالمحلة وقدم الجامع الأزهر، وحضر على الشمس السجيني والعزيزي والملوي والشبراوي وتكمل في الفنون الغربية وتلقى عن السيد على الضرير والشيخ محمد الغلاني الكشناوي مشاركاً للشيخ الوالد والشيخ ابراهيم الحلبي وعاد الى المحلة، فدرس في الجامع الكبير مدة ثم أتى الى مصر بأهله وعياله ومكث بها وأقرأ بالجامع الأزهر درساً وتردد الى الأكابر والأمراء وأجلوه وقرأ في المحمدية بعد موت الشنويهي في المنهج وانضوى الى الشيخ أبي الأنوار السادات ويأتي إليه في كل يوم، وكان إنساناً حسناً بهي الشكل لطيف الطباع عليه رونق وجلالة، جميل المحادثة حسن الهيئة، توفي بعد أن تعلل دون شهر عن مائة وست عشرة سنة كامل الحواس إذا قام نهض نهوض الشباب ودفن ببستان المجاورين وكان يتكتم سني عمره رحمه الله.
ومات الإمام العلامة واللوذعي الفهامة رئيس المحققين وعمدة المدققين النحوي المنطقي الجدلي الأصولي الشيخ أحمد بن يونس الخليفي الشافعي الأزهري من قرابة الشهاب الخليفي، ولد سنة 1131، كما سمعته من لفظه وقرأ القرآن وحفظ المتون وحضر على كل من الشبراوي والحفني وأخيه الشيخ يوسف والسيد البليدي والشيخ محمد الدقري والدمنهوري وسالم النفراوي والطحلاوي والصعيدي، وسمع الحديث على الشهابين الملوي والجوهري، ودرس وأفاد بالجامع الأزهر وتقلد وظيفة الإفتاء بالمحمدية عندما انحرف يوسف بك على الشيخ حسن الكفراوي كما تقدم فاتخذ الشيخ أحمد أبا سلامة أميناً على فتاويه لجودة استحضاره في الفروع الفقهية، وله مؤلفات منها حاشية على شرح شيخ الإسلام على متن السمرقندية في آداب البحث، وأخرى على شرح الملوي في الاستعارات، وأخرى على شرح المذكور على السلم في المنطق، وأخرى على شرح شيخ الإسلام على آداب البحث وأخرى على شرح الشمسية في المنطق، وأخرى على متن الياسمينية في الجبر والمقابلة، وشرح على أسماء التراجم ورسالة متعلقة بالأبحاث الخمسة التي أوردها الشيخ الدمنهوري، ولازم الشيخ الوالد مدة وتلقى عنه بعض العلوم الغريبة وكملها بعد وفاته على تلميذه محمود أفندي النيشي وكان جيد التقرير غاية في التحرير ويميل بطبعه الى ذوي الوسامة والصور الحسان من الجدعان والشبان، فإذا رجع من درسه خلع زي العلماء ولبس زي العامة وجلس بالأسواق وخالط الرفاق ويمشي كثيراً بين المغرب والعشاء بالخفيفة، نواحي داره جهة بين السيارج وغيرها، ويرى في بعض الأحيان على تلك الصورة في الأوقات المذكورة في نواح بعيدة عن داره وسافر مرة الى جهة قبلي في سفارة بين الأمراء أيام عابدي باشا، ولم يزل على ذلك الى أن توفي في أوائل رجب من هذه السنة سامحه الله.
ومات العمدة الجليل والنبيه النبيل العلامة الفقيه المفوه الشريف الضرير السيد عبد الرحمن بن بكار الصفاقسي نزيل مصر قرأ في بلاده على علماء عصره ودخل كرسي مملكة الروم فأكرم وانسلخ عن هيئة المغاربة ولبس ملابس المشارقة مثل التاج والفراجة وغيرها، وأثرى وقدم الى مصر وألقى دروساً بالمشهد الحسيني وتأهل وولد له ولد به فضيلة ونجابة واتحد بشيخ السادات الوقائية السيد أبي الأنوار فراج حاله وزاده شوكته على أبناء جنس، وتردد الى الأمراء وأشير إليه ودرس كتاب الغرر في مذهب الحنفية وتولى مشيخة رواق المغاربة بعد وفاة الشيخ عبد الرحمن البناني وسار فيها أحسن سيرة مع شهامة وصرامة وفصاحة لفظ في الإلقاء وكان جيد البحث مليح المفاكهة والمحادثة واستحضار اللطائف والمناسبات ليس فيه عربدة ولا فظاظة، ويميل بطبعه الى الحظ والخلاعة وسماع الألحان والآلات المطربة، توفي رحمه الله في هذه السنة وولى بعده على مشيخة رواقهم الشيخ سالم بن مسعود.
ومات الفقيه العلامة الصالح الصوفي الشيخ أحمد بن أحمد السماليجي الشافعي الأحمدي المدرس بالمقام الأحمدي بطندتاء ولد ببلده سماليج بالمنوفية وحفظ القرآن وحضر على الشيخ عطية الأجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الخشني والشيخ أحمد الدردير ورجع الى طندتاء فاتخذها سكناً وأقام بها يقرئ دروساً ويفيد الطلبة ويفتي على مذهبه ويقضي بين المتنازعين من أهالي البلاد فراج أمره واشتهر ذكره بتلك النواحي ووثقوا بفتياه وقوله وأتوه أفواجاً بمكانه المسمى بالصف فوق باب المسجد المواجه لبيت الخليفة، وتزوج بامرأة جميلة الصورة من بلد الفرعونية وولد منها ولد سماه أحمد كأنما أفرغ في قالب الجمال وأودع بعينيه السحر الحلال، فلما ترعرع حفظ القرآن والمتون وحضر على أبيه في الفقه والفنون وكان نجيباً جيد الحافظة يحفظ كل شيء سمعه من مرة واحدة، ونظم الشعر من غير قراءة شيء في علم العروض، أول ما رأيته في سنة 1189 في أيام زيارة سيدي أحمد البدوي فحضر إلي وسلم علي وآنسني بحسن ألفاظه وجذبني بسحر ألحاظه ولما بلغ زوجه والده بزوجتين في سنة واحدة ولم يزل يجتهد ويشتغل حتى مهر وأنجب ودرس لجماعة من الطلبة، وحضر الى مصر مع والده مراراً، وتردد علينا واجتمع بنا كثيراً في مواسم الموالد المعتادة الى أن اخترمته في شبابه المنية وحالت بينه وبين الأمنية، وذلك في سنة ثلاث ومائتين وخلف ولداً صغيراً استأنس به جده المترجم، وصبر على فقد ابنه وترحم، وتوفي هو أيضاً في هذه السنة رحمهما الله تعالى.
ومات الرجل المعظم والملاذ المفخم الأمير حسين بن السيد محمد الشهيد بدرب الشمس القادري وأبوه محمد أفندي كاتب صغير بوجاق التفكجيان وهو ابن حسين أفندي باش اختيار تفكجيان تابع المرحوم حسن جوربجي تابع المرحوم رضوان بك الكبير الشهير صاحب العمارة ولما مات والد المترجم اجتمع الاختيارية وقلدوا ابنه المذكور منصب والده في بايه وكان إذ ذاك مقتبل الشبيبة وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة، وألف ونوه بشأنه وفتح بي أبيه وعد في الأعيان واشتهر ذكره وكان نجيباً نبيهاً ولم يزل حتى صار من أرباب الحل والعقد وأصحاب المشورة، ولما استقل علي بك بإمارة مصر أخرجه هو وإخوته من مصر ونفاهم الى بلاد الحجاز فأقاموا بها سبع سنوات الى أن استقل محمد بك الإمارة فأحضرهم وأكرمهم ورد إليهم بلادهم فاستمروا بمصر لا كالحالة الأولى مع الوجاهة والحرمة الوافرة، وكان إنساناً حسناً فطناً طعرف مواقع الكلام ويكره الظلم وهو الى الخير أقرب، واقتنى كتباً كثيرة نفيسة في الفنون وخصوصاً في الطب والعلوم الغريبة ويسمح بإعارتها لمن يكون أهلاً لها، ولما حضرته الوفاة أوصى أن لا يخرجوا جنازته على الصورة المعتادة بمصر بل يحضرها مائة شخص من القادرية يمشون أمامه في المشهد وهم يقرأون الصمدية سر الأغير وأوصى لهم بقدر معلوم من الدراهم فكان كذلك.
ومات الأمير محمد آغا بن محمد كتخدا أباظة، وقد تقدم أنه كان تولى الحسبة في أيام حسن باشا وسار فيها سيراً بشهامة وأخاف السوقة وعاقبهم وزجرهم واتفق أنه وزن جانباً من اللحم وجده مع من اشتراه ناقصاً وأخبره عن جزاره فذهب إليه وكملها بقطعة من جسد الجزار ثم انفصل عن ذلك وعمل كتخدا عند رضوان بك الى أن مات رضوان بك ولم يزل معدوداً في عداد الأمراء الأكابر، الى أن توفي في هذه السنة،.
ومات العمدة الصالح الورع الصوفي الضرير الشيخ محمد السقاط الخلوتي المغربي الأصل خليفة شيخنا الشيخ محمود الكردي حضر الى مصر وجاور بالأزهر وحضر على الأشياخ في فقه مذهبه وفي المعقول وأخذ الطريق على شيخنا الشيخ محمود المذكور ولقنه الأسماء على طريق الخلوتية والأوراد والأذكار، وانسلخ من زي المغاربة وألبسه الشيخ التاج وسلك سلوكاً تاماً ولازم الشيخ ملازمة كلية بحيث أنه لا يفارق منزله في غالب أوقاته، ولاحت عليه الأنوار وتحلى بحلل الأبرار وأذن له الشيخ بالتلقين والتسليك ولما انتقل الى رحمة الله تعالى صار هو خليفته بالإجماع من غير نزاع، وجلس في بيته وانقطع للعبادة واجتمع عليه الجماعة في ورد العصر والعشاء، ولقن الذكر للمريدين وسلك الطريق للطالبين وانجذبت القلوب إليه واشتهر ذكره، وأقبلت عليه الناس ولم يزل على حسن حاله حتى توفي في منتصف شهر ربيع الأول وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل.
ومات الذمي المعلم ابراهيم الجوهري رئيس الكتبة الأقباط بمصر وأدرك في هذه الدولة بمصر من العظمة ونفاذ الكلمة وعظم الصيت والشهرة مع طول المدة بمصر ما لم يسبق لمثله من أبناء جنسه فيما نعلم، وأول ظهوره من أيام المعلم رزق كاتب علي بك الكبير، ولما مات علي بك والمعلم رزق ظهر أمر المترجم ونما ذكره في أيام محمد بك فلما انقضت أيام محمد بك وترأس ابراهيم بك قلده جميع الأمور فكان هو المشار إليه في الكليات والجزئيات حتى دفاتر الروزنامة والميري وجميع الإيراد والمنصرف وجميع الكتبة والصيارف من تحت يده وإشارته، وكان من دهاقين العالم ودهاتهم لا يعزب عن ذهنه شيء من دقائق الأمور ويداري كل إنسان بما يليق به من المداراة ويحابي ويهادي ويواسي ويفعل ما يوجب انجذاب القلوب والمحبة ويهادي ويبعث الهدايا العظيمة والشموع الى بيوت الأمراء، وعند دخول رمضان يرسل الى غالب أرباب المظاهر ومن دونهم الشموع والهدايا والأرز والسكر والكساوي وعمرت في أيامه الكنائس وديور النصارى وأوقف عليها الأوقاف الجليلة والأطيان ورتب لها المرتبات العظيمة والأرزاق الدارة والغلال، وحزن ابراهيم بك لموته وخرج في ذلك اليوم الى قصر العيني حتى شاهد جنازته وهم ذاهبون به الى المقبرة، وتأسف على فقده تأسفاً زائد وكان ذلك في شهر القعدة من السنة.